منتديات أفـــاق دبـــي الثقافيـــة

منتديات أفـــاق دبـــي الثقافيـــة (http://www.afaqdubai.ae/vb/index.php)
-   القصة والرواية Short story and novel (http://www.afaqdubai.ae/vb/forumdisplay.php?f=53)
-   -   قصة: ينام في الصباح ....أفاق أدبية (http://www.afaqdubai.ae/vb/showthread.php?t=13182)

OM_SULTAN 11-11-2009 03:16 AM

قصة: ينام في الصباح ....أفاق أدبية
 


قصة: ينام في الصباح ....أفاق أدبية

الأحد 15 رجب 1423هـ 22 سبتمبر 2002 -العدد 141


قصة: ينام في الصباح








توقّفت السيارة.. ليتها ما توقّفت، نزلوا منها.. ليتهم مانزلوا! من بيتهم إلى هنا كان الطفل يأمل بأن السيارة ستسير وتظل تسير وتستمر في ذلك ولن تتوقف، وان الامر سيبقى مجرد نزهة صباحية.. نزهة جميلة لن تنتهي.


عندما توقفت تلك السيارة الصفراء، احس انه يختنق، فذرف دموعاً واكتوى ضلوعاً، لقد ضاعت آمال واوهام كان رسمها في خاطره الكسير وخفق بها قلبه العليل، ذلك الطفل الذي نزل الآن من سيارة الاجرة خائفاً، ونزل ابوه آسفاً، ونزلت أمه ملتاعة، ونزل جده بلا حكمة، ونزلت جدته بلا صبر، نزلوا على رصيف المستشفى في السابعة صباحاً.


لقد أزف موعد حدد بعد معاينات ومراجعات واتصالات واستشارات وعقاقير وآلام ومخاطر، موعد كقضاء محتوم! قال الدكتور هاشم: ـ حللوا دمه وصوروه بالأشعة والصدى والرنين فقال أبو أيمن: ولكن فعلنا ذلك عدة مرات في عدة اشهر، والدكتور رصين يعرف ذلك.


فغضب الدكتور هاشم وصاح في هدوء الصباح: ـ انا هنا صاحب المستشفى، والدكتور رصين لن يعرف مصلحة زبائني اكثر مني.


فقال جد ايمن:


ـ يادكتور.. انفقنا مالاً كثيراً حتى ألم الدكتور رصين بحالة الطفل وحدد لنا هذا الصباح لاجراء العملية.


فتفاقمت حالة الدكتور هاشم العصبية واخذ يصرخ: ـ ايها المغفلون الذين بلا رحمة، صحة ابنكم اهم من أموال الدنيا، هذا المستشفى الممتاز له نظام داخلي لن اسمح لأحد ان يمسه بسوء، النظام الداخلي يجب ان يحترم، نفذوا ما أمرتكم به وإلا طردتكم انتم ودكتوركم رصين.


وانتقل ايمن من غرفة إلى غرفة، من ممر إلى ممر، من طابق إلى طابق، من جناح إلى جناح، وانتقلت معه قلوب واجفة وأرواح ضارعة.


وأخيراً.. لأن الاشياء لها آخر، دخل من الباب الواسع لغرفة العمليات الضيقة، ودخلت معه مدرسته.. معلمته نسرين.. ضحكات زملائه في الخامس الابتدائي.. حقيبته.. الصور الملونة في كتبه.


وكانت اخته زينب سألت:


ـ أين تذهبون بأخي ايمن ؟


وكانوا اجابوها:


مشوار صغير ونعود.


ولم تفهم زينب ذات الاربعة اعوام سوى انها يجب ان تخاف وتلتصق اكثر بحضن عمتها الدافيء، وحين نظرت الى عيني ايمن وجدت فيهما نظرة ذابلة وحزناً موجعاً، ايمن الذي لامست يده المرتجفة شعرها قبل ان يغادرها مع ابيها وامها وجدها وجدتها الى غرفة العمليات الخانقة التي بدأت جدرانها تضغط على قلبه الصغير.


وكان صوت الدكتور هاشم يهز ارجاء المستشفى، وكان العاملون من اطباء وممرضين ومساعدين ومستخدمين منهمكين في هذه الورشة الكبرى! وكان المحاسبون يحسبون والمحصلون يحصلون والخازنون يخزنون والمكدسون يكدسون، لأن الدكتور هاشم كان يعتقد ان الصحة اهم من أموال الدنيا التي كلما تكدست في خزانته كلما تحسن الوضع الصحي!


أيمن على طاولة العمليات بين يدي الدكتور رصين وفريقه، واخته زينب تنتظره في حضن عمتها الذي أصبح بارداً، ومعلمته نسرين تضع اسمه في لائحة الغائبين، وأمه وابوه وجده وجدته كانوا معلقين على خيط الرجاء الذي قد ينقطع في اية لحظة، وكانوا يسألون عنه كلما انفتح أو انفرج باب غرفة العمليات.


كان قريباً وبعيداً، ممدداً ومحلقاً، جامداً وخافقاً، مبتسماً ودامعاً، بين مقصات ومشارط وأجهزة الدكتور رصين الذي وعد أهله: ـ سنقضي على الالم، سيعيش ايمن بعد العملية مئة سنة دون ألم، سيمتليء صحة واشراقاً، سيملأ حياتكم بهجة وعنفواناً.


عند المستشفى توقفت السيارة، على رصيف المستشفى نزلوا، دخل أيمن غرفة العمليات.. ليته ما دخل، نام في الصباح.. ليته ما نام! قال الدكتور رصين:


ـ لقد قضينا على الألم.


بشار خليلي



Cant See Links





culture @albayan.co.ae
حقوق الطبع محفوظة لدى مؤسسة البيان للطباعة والنشر


الساعة الآن 09:46 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.4, Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir